محمد بن الطيب الباقلاني

340

الإنتصار للقرآن

فإن قالوا : فإذا قلتم إنّ الرسول صلّى اللّه عليه لم يكن يبيّن لكلّ واحد ممّن يقرئه جميع الأحرف والوجوه التي نزل القرآن عليها ويفصّلها لكل الأمة مجتمعين ، وأنّه كان يقرئهم قراءة مختلفة من تلك الحروف وعلى سبيل ما تيسّر له : وجب أن لا تقوم الحجّة على الأمّة بكلّ حرف مما أقرأ به ، وأن لا يتيقّن ذلك من دينه ، وأن يجد الملحد والمعاند سبيلا إلى إدخال حرف ووجه في القرآن ليس هو مما أنزل على الرسول ، ويعمل له إسنادا وطريقا ويضيفه إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه ويدخل بذلك فيما أنزل اللّه تعالى من الوجوه ما لم ينزله ، ويفسد القرآن ويوقع الشبهة والإلباس على أهل [ 213 ] الإسلام ، / كما زعمتم من قبل أنّه لو كان يبيّن بعض القرآن بيانا خاصّا لا تقوم به الحجّة لصار ذلك طريقا إلى أن يدخل في القرآن كلمات وآيات تقصر عن حدّ المعجز ، وأن يضاف ذلك إلى الرسول أو أن يكون ذلك ذريعة إلى الشبهة والإلباس ، وهذا ما لا فصل لكم فيه . يقال له : لا يلزم ما وصفته ، لأنّنا قد قلنا من قبل إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وإن كان لم يبيّن تفصيل الحروف السبعة لكلّ واحد ممّن أقرأه وأخذ عنه ولا جمع الأمّة ووقفهم على ذلك ، وأنّه كان يقرئ بما يسهل وييسّر له وللمتعلّم منه ، فإنّه لا بدّ أن يظهر عنه ويستفيض كلّ وجه وحرف قرأ به وأقرأه ، إما بتكرّر سماع ذلك منه أو بالنّقل له عنه ، ولا بدّ أن يبلغ الحديث والسماع في طول تلك السنين ، وتكرير عرضه صلّى اللّه عليه القرآن على جبريل عليه السلام في كلّ عام ، وعرضه إيّاه مرتين في العام الذي مات فيه ، وتكرّر قراءته وإقرائه إيّاه وأخذه عنه مبلغا يظهر ويستفيض حتّى يزول عن الناس فيه الرّيب والشكّ ، وأنّه مما قرأه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وأقرأ به .